محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
69
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : « إذا أراد اللّه بالمريد خيرا أرفقه إلى الصوفية ومنعه صحبة القرّاء » . وقال علي رضي اللّه تعالى عنه : « شرّ الأصدقاء من أحوجك إلى المداراة ، وألجأك إلى الاعتذار » . وقال مرّة : « شرّ الأصدقاء من تتكلّف له » وأنشدوا ليوسف بن الحسين الرازي ، رضي اللّه تعالى عنه : أحبّ من الإخوان كلّ مواتى * وكل غضيض الطرف عن عثراتي يوافقني في كلّ أمر أحبه * ويحفظني حيّا وبعد مماتي فمن لي بهذا ، ليتني قد وجدته * فقاسمته مالي من الحسنات والحاصل من هذا : أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم ، لأنهم خصّوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص لم يساهمهم فيها غيرهم . وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غاية الأمل والمطلوب ، فقد قيل : من تحقّق بحالة لم يخل حاضروه منها ؛ فمن جلس عند دكّان العطّار لم يفقد الرائحة الطيبة . هذا في الحضور والمجالسة فما ظنّك في الصحبة والمؤانسة ، وقد وصفهم بعض العلماء ، فقال : الصوفيّ من لا يعرف في الدارين أحدا غير اللّه ، ولا يشهد مع اللّه سوى اللّه ، قد سخّر له كل شيء ، ولم يسخّر هو لشي ، وسلط على كلّ شيء ولم يسلّط عليه شيء ، يأخذ النصيب من كلّ شيء ، ولا يأخذ النصيب منه شيء ، يصفو به كدر كلّ شيء ولا يكدّر صفوه شيء ، قد شغله واحد عن كل شيء وكفاه واحد عن كلّ شيء » فانظر رحمك اللّه هذه الصفات ما أعظمها وأجلّها ، وما أشرف حال من اتّصف بها وما أعزّه في هذا الوجود ، نفعنا اللّه بهم ، ورزقنا من بركاتهم . وفي صحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد ما لا يحصل له بغيرها من فنون المجاهدات وأنواع المكابدات حتى يبلغ من ذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل ولا يحيط به علم عامل ناقل . قال سيدي أبو العباس المرسي رضي اللّه عنه : « ماذا أصنع بالكيمياء ، واللّه لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها فتثمر رمانا للوقت ، فمن صحب مثل هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء » وقال أيضا رضي اللّه تعالى عنه : « واللّه ما سار الأولياء والأبدال من قاف إلى قاف إلّا حتى يلقوا واحدا مثلنا فإذا لقوه كان بغيتهم » . وقال أيضا رضي اللّه تعالى عنه : « واللّه ما بيني وبين الرجل إلا أن انظر إليه نظرة وقد أغنيته » . وفيه يقول شيخه أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : « أبو العباس هو الرجل الكامل واللّه ؛ إنّه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسى عليه المساء إلا وقد أوصله إلى اللّه » وسيأتي طرف من ذكر حال المؤلف رحمه اللّه تعالى في صحبته ، وما أوصله إليه ببركة رؤيته عند قوله : « كل كلام يبرز عليه كسوة القلب الذي منه برز » .